صديق الحسيني القنوجي البخاري

56

فتح البيان في مقاصد القرآن

ثم ههنا مانع آخر ؛ وهو أن المروي عن الصحابة في هذا مختلف متناقض ، فإن عملنا بما قاله أحدهم دون الآخر كان تحكما لا وجه له ، وإن عملنا بالجميع كان عملا بما هو مختلف متناقض ، ولا يجوز ، ثم ههنا مانع غير هذا المانع وهو أنه لو كان شيء مما قالوه مأخوذا عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لا تفقوا عليه ولم يختلفوا كسائر ما هو مأخوذ عنه ، فلما اختلفوا في هذا علمنا أنه لم يكن مأخوذا عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، ثم لو كان عندهم شيء عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في هذا لما تركوا حكايته عنه ورفعه إليه ، لا سيما عند اختلافهم واضطراب أقوالهم في مثل هذا الكلام الذي لا مجال للغة العرب فيه ولا مدخل لها . ولا يقال قد اختلفوا في غيره من الأحكام فيلزم عدم الأخذ به ، لأنا نقول اختلافهم في ذلك من قبيل الأخذ بالأخص أو الأعم أو المتقدم أو المتأخر ، وفي كثير مما اختلفوا فيه إن علموا بالنص تركوا ذلك بخلاف ما هنا واللّه أعلم . والذي أراه لنفسي ولكل من أحب السلامة واقتدى بسلف الأئمة أن لا يتكلم بشي من ذلك ، مع الاعتراف بأن في إنزالها حكمة للّه عز وجل لا تبلغها عقولنا ، ولا تهتدي إليها أفهامنا ، وإذا انتهيت إلى السلامة في مداك فلا تجاوز ، وسيأتي لنا عند تفسير قوله تعالى : مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ [ آل عمران : 7 ] كلام طويل الذيول وتحقيق تقبله صحيحات الافهام وسليمات العقول . ذلِكَ الْكِتابُ أي القرآن ، وقيل فيه اضمار أي هذا الكتاب الذي وعدتك به أو وعدت به على لسان موسى وعيسى أن أنزله عليك ، قال ابن عباس في الآية يعني هذا الكتاب ، وبه قال مجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير والسدي ومقاتل وزيد بن أسلم وابن جريج ، وحكاه البخاري عن أبي عبيدة ، والإشارة إلى الكتاب المذكور بعده ، والعرب قد تستعمل الإشارة إلى البعيد الغائب ، مكان الإشارة إلى القريب الحاضر ، ومنه قوله تعالى : ذلِكَ عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ [ السجدة : 6 ] وقوله : تِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ [ الأنعام : 83 ] وقوله : تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ [ الحجر : 1 ] وقوله : ذلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ [ الممتحنة : 10 ] قال أبو السعود وما فيه من معنى البعد مع قرب العهد بالمشار إليه للإيذان بعلو شأنه ، وكونه في الغاية القاصية من الفضل والشرف ، انتهى . وقيل إن الإشارة إلى غائب ، واختلف في ذلك الغائب ، فقيل هو الكتاب الذي كتب على الخلائق بالسعادة والشقاوة والأجل والرزق ، وقيل الكتاب الذي كتبه اللّه على نفسه في الأزل كما في صحيح مسلم عن أبي هريرة قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لما قضى اللّه الخلق كتب في كتاب على نفسه فهو موضوع عنده إن رحمتي تغلب غضبي » وفي رواية : « سبقت » « 1 » وقيل الإشارة إلى ما قد نزل بمكة ، وقيل إلى ما في التوراة والإنجيل ، وقيل إلى قوله قبله ألم ورجحه الزمخشري .

--> ( 1 ) روي الحديث بطرق وأسانيد متعددة . منها : « إن رحمتي تغلب غضبي » ، و « إن رحمتي غلبت